يوميات صحفي

الحلقة الأولى :

_ بش نعطيك شهرية ستة ميات ألف..

قالها لي المنشط الشهير بشيء من اللامبالاة، طبعا لم املك الجرأة لأناقشه أو لأفرض شروطي، فأنا مجرد صحفي مغمور كتب بعض المقالات في موقع إلكتروني لقاء ثلاثين دينارا للمقال الواحد، وقلت لنفسي يا مواطن اعتبر هذه الشهرية “شدان يد” حتى تتدرج في عملك وفي راتبك وفي امتيازاتك وتتحول إلى صحفي لامع.

صدقا لم أتخيل حينها أن “الصحفيين اللامعين” أو حتى الأقل لمعانا يتقاضون أجورا قد تصل إلى 12 عشر ألف دينار شهريا إضافة إلى هبات أخرى من “أهل البر والإحسان”، كان أقصى طموحي الحصول على مليون شهرية وما يسمى بالل treizième mois أو منحة الإنتاج، علما واني لم أتقاضى يوما هذه المنحة رغم أني أنتجت الشيء الكثير.
اليوم أول أيامي في عملي الجديد، اليوم سأصبح من أصحاب العقود ذات الفترة المحددة أو ال CDD وسأتحصل على مصروف جيب قدره عشرة دنانير لقاء كل تصوير خارجي وسأبدأ بتطبيق ما تعلمته في معهد الصحافة من تحقيقات ميدانية في البلديات وتقارير حصرية من المعتمديات ومراكز البريد.

أنا اليوم صحفي متعاقد في برنامج اجتماعي يعطي الحق لمن ليس له حق، أتلقى يوميا ملفات العشرات من المواطنين ممن يصدقون ما يقال في التلفزيون، ويصدقون خاصة تلك الجملة الشهيرة التي عادة ما يختم بها ذلك الإعلامي برنامجه الإجتماعي “أهوكة نومرويا عندك، تنجم تطلبني في أي وقت”…

_ أووف ملا ريحة فيهم, ملا أمارك هذوما.

كنت أنزعج من زميلتي شقراء الشعر وزرقاء البشرة وهي تنطق بهذه الكلمات المهينة وهي التي تقاسمني وللأسف نفس المكتب، هكذا كانت تستقبل زوارنا من حاملي الهموم والملفات و”تنطر” في ظهورهم وحتى في وجوههم، كانت تشتكي من أسئلتهم واستفساراتهم وروائحهم وقسمات وجوههم، وتتمنى لو كان بمقدورها صفع أحدهم.
كانت تزعجني وتثير حنقي، تمنيت مرارا أن أكركرها من شعرها المصبوغ بالأصفر وان ألطم وجهها على الحاطئ لكني أتذكر أني ضد ممارسة العنف ضد المرأة واتذكر ذلك الزر المفتوح الذي تتركه دائما والذي يبرز من خلاله صدرها، ااذي كنت أحترمه أكثر من احترامي لها.

اليوم شعرت بسعادة غامرة وأنا أسمع عرفي وهو يوبخها بسبب سلوكها المشين مع “الزبائن”، لم أكن انا من “صب بها الصبة” ولكني ترحمت على والد من وشى بها فهي تستحق ذلك, وعدته أن لا تعيد صنيعها وأن تغير من عاداتها البذيئة، لكنها لم تغير شيئا وبقي “منطقها عادما” وبقي الزر مفتوحا.

احترمت كثيرا عرفي وهو يوبخها، كنت أعتبره قدوة ومثالا يحتذى به، عادة ما انبهرت به كثيرا وهو يقاوم الفساد في برامجه الشهيرة ويعري الحقائق ويفضح المستور، لم أكن أعرف أنه “يربرب في العمل”، وأنه يهين من يريد وقت ما يريد, وأنه يهدد بفتح دوسيات من يريد، وأنه يتعاطى الجعة الممتازة في مكان العمل، لم أكن أعرف حينها أنه مصاب بمرض نفسي، لم أكن أعرف أن الصحفي كائن معرض لل”تسخسيخ” وتطييح القدر متى شاء عرفه ذلك وأنه يواجه هذا “التسخسيخ” بالصمت وانزال الرأس والإعتذار.

صدمت وانتابتني قشعريرة خفيفة لكني بقيت مصرا على تحقيق حلم المليون والشهر الثالث عشر وخاصة لقاء العرف الكبير، ذلك الأشقر مفتول العضلات عريض المنكبين، إلى أن جاءت اللحظة الحاسمة..

يتبع

حمدي مسيهلي

Be the first to comment

اترك رد