يوميات صحفي : الحكاية الثانية

التقيته أخيرا، أشقر الشعر أزرق العينين عريض المنكبين، لم تكن عضلاته مفتولة بعد بل بدأت في الانتفاخ تدريجيا وبدأ وجهه بالانتفاخ أيضا.

وجدت نفسي وجها لوجه أمامه، اقترب مني، بدأت حرارتي بالارتفاع، لم أحتمل زرقة عينيه وغموضهما، اقترب مني أكثر فأكثر، زادت تساؤلاتي عن سر هذا الاقتراب المريب والجميل في آن واحد، شممت رائحة عطره، كان عطرا قويا يبدو أنه غالي الثمن، خجلت من نفسي وانا الذي أضع  بعض رشات من عطر “صبة” رخيص تشبه رائحته ماء الجافال، كاد أن يلتصق بي، وضع يده البيضاء بياض قلبه على كتفي الحقير وهمهم في أذني بصوت جهوري حنون :

_ اش تعمل لهنا، ياخي تخدم هوني؟

_ اي ما عنديش برشة

_ باهي برة سخن الكرهبة بش تهزني عندي قضية

_ لا سامحني انا صحافي ونخدم مع …..

_اووه على الز..

بقيت الكلمة الأخيرة ترن في أذني، كانت أحلى مرة أسمع فيها هذه الكلمة، لم أتصور أن يكون اللقاء الأول مع عرفي الكبير ناجحا ومثمرا إلى هذا الحد، لم أكن أتخيل أنه سيحترمني بهذا القدر وأنه سيترك في نفسي كل هذا الارتياح..

تركني وذهب وبقي عطره غالي الثمن محفورا في خياشيم أنفي، وبقي وجهه القابل للانتفاخ أكثر فأكثر ماثلا في مخيلتي، وزاد حبي لمهنتي، وتضاعف احترامي لنفسي، وقررت أن أزيد في عطائي وأن أكون معطاء أكثر في مهنة تعطي لكل عطاء يعطيها فتعطيه.

……بعد أشهر تحولت إلى برنامج آخر، لم يتغير الأمر كثيرا، أناس منهكون يأتون حاملين همومهم وملفاتهم، منهم من حملت خارج الإطار وتريد لقاء ابنها، ومنهم من حملت داخل الإطار وتريد مصارحة زوجها بأنها حملت خارج الإطار، منهم من لم تعرف الإطار يوما، لكنها حملت مرة وأكثر.

 كانت عرفتي الصغيرة التي تملك صلة قرابة مع عرفي الكبير تختار أكثر الحالات المزرية والمثيرة للتعاطف والشفقة لعرضها، كانت تطلب مني أن أضيف الكثير من السواد والأحزان وأنا أكتب تفاصيل حكايات “الزبائن”، فالدموع تجلب الجمهور وبالتالي تأتي الإعلانات والأموال.

كانت تنتقي خاصة حالات الخيانة والحمل في سن المراهقة والتحرش الجنسي والعنف الزوجي المؤدي إلى السقوط، مع بعض حالات العجز الجنسي وطبعا حالات النفقة واهمال العيال، كان منشط البرنامج يعلن أسبوعيا عن تكفل القناة بتحليلي DNA أو أكثر، مع التكفل بزواج عشيقين أو أكثر، والتكفل كل شهر بالعثور على 10 أطفال ولدوا خارج الإطار المذكور أعلاه، وكانت له قدرة عجيبة على إقناع الزوجة المعنفة بالعودة إلى زوجها خاصة حين يتأكد أنها لازالت تحبه وتحب خاصة صفعاته وركلاته الموجهة نحو أسنانها وجسدها،دون أن ينسى  تذكيرها مرارا وتكرارا بأن القناة تكفلت بإسكانها لمدة ليلتين في نزل شبه فخم مع التكفل بفطور الصباح.

بدأت أحس بنمو بعض العقد النفسية جراء هذا البرنامج، كنت مواضيع أحلامي، أو كوابيسي، رؤية رضيع ملقى أمام الجامع، أو رؤية زوجتي وهي ترضع ابنها من رجل آخر ونحن في “التصديرة”، كنت أستيقظ أحيانا على صوت سي فلان وهو يخبرني بأن نتيجة ال DNA أثبتت أن أمي من القرن الإفريقي وأحيانا من جنوب السودان…

_ أخرج عيش خويا نحشم بش نحكي حكايتي قدامك.

بادرتني إحدى الحالات بهذه الكلمات قبل أن تروي ما يسمى بالcas التي جاءت من أجلها لعرفتي الصغيرة.

_ ما نجمش نخرج يا مادام خاطرني بش نكتب حكايتك، ميسالش احسبني مش موجود.

استجمعت قواها وبدأت برواية حكايتها التي حدثت يوم زواجها، وتحديدا بعد نهاية مراسم الزواج, وتحديدا في غرفة النوم، وتحديدا تحديدا بحضور زوجها العاري..وأمه…

يتبع

حمدي مسيهلي

Be the first to comment

اترك رد