الجمجمة والزورق / رواية …. فوزي الديماسي / تونس

 

الإهداء 1 :

 

إلى كسرى ، مطماطة ، بني مطير ، القصيرن ، تكرونة ، حيث علّمت لغة الجبال والصخر والنقاء / الإنسان …

 

الإهداء 2 :

وليغفر لي سيدي محمود المسعدي تطاولي ودخولي محرابه … ولكنني دخلته دخول المحبّ المريد .

 

 

 

تصدير 1 :

في محراب الاعتراف، وعلى سرير الانسياب، ولحظة الجلوس على حافة الحبر أجدني طفلا تائها يعانق الخوف. أكدح على درب الخيال بالكلمة كدحا محموما، لعلّني أرسم نصّا يدفع بي نحو الحقول والواحات . أتدثّر بحذري ، وضعف حيلتي ، ويزمّلني السؤال والمجهول ، فأكتب سيرة شجني ، وعبرتي ، وفرحتي ، وأحبّر بكبير الحروف على جدار الصمت ملحمة المحاولة ، وفي الفؤاد لوعة تكتب بصادق المشاعر المجبولة على الترحال في صحراء الكلمات سيرة خيبة تعصف بسكينتي ، وتلقي بي في لجج الاضطراب ، فأقلّب سؤال الكتابة كما تقلّب طفلة دميتها في ليل البحث عن ذاتها المتوغّلة في الضباب ، وأسأل ذاتي الحبريّة المتورّمة أمام مرآة المداد عن قوافل الفجر ، عن الدروب الخضراء ، وأركب موج الكلمات مرّات ومرّات ، وألقي بشباك رؤاي في عرض الرؤيا ، وأدندن بناي الرحيل أغنية الصباحات المنشودة كامرأة فقدت طفلها ، وتنتظر تدفّقه من بين جنبيها ، وتسبقني عبرتي إلى خيمة القرطاس ، وأفقد بوصلتي في الكلم الشاسع كلّما زارتني شهوة الرسم ، فأدفع بلبّي دفعا جميلا متحسّسا طريقي إلى الشرفات ، وشرفات اللغات في عليّين لا يدركها قلمي النحيف … لكنني سأكتب كي لا يموت الإنسان في ّ … سأكتب لكي ينبت الصوت في حناجر الطيور …

 

 

تصدير 2:

أسكب خيوط الفجر في كأس الحياة … وأزرع في الرؤى نخل جدي ….

 

 

 

 

اللوحة الأولى

خرج الصباح من عرينه ليغتسل في ماء النهر الممدّد بين كثبان الحياة . كنت على ربوة الأسئلة تائه الخطوات أعدّ أشعّة الشمس الغائبة البعيدة وأحصيها . دفعني شوقي بعصاه دفعا رقيقا نحو ساحات الفجر ، فاقتفيت آثار رغبته ، وكان ثالثنا الحلم . سرنا والجبل نبحث عن ذاك الصبح الموعود . وفي طريقنا إليه توقفنا عند عين عارية إلاّ من غبارها لننهل من رضابها سرابا وحكمة ضائعة ، وإذ بصوت يطلّ علينا بشجنه الطروب اللعوب من وراء قيظ الرحلة فجأة . تطلّعت نحو الصخرة العالية المطلّة على العين ، فإذا بها أنثى صقيلة الوجه تقف كما اليقين أمام مرايا الغياب ، رافلة في شهوتها ، تراقص ريح الوجود ، وترسم بعينين متنمّرتين على جبين الأفق علامات الفناء . جرفني نحوها سيل من الوله الطفوليّ ، ضحكت ، وضحك شوقي من بعدي ، وانطلقت على جناح الروح والريح والريحان نحو صوتها . سرت ، والجبال بعراء أحلامها تبعث فيّ طقوس الخلاص. تقدمت بخطى ثابتة نحو الصخور المتناثرة ، يصعد بي درب ، وينخفض بي آخر ، ووجدتني أبحث في منعطفات الوجدان عن وجهي الذي ضيّعني .

وقفت على صفحة ماء بحيرة يتيمة في فؤادي المكلوم .لا وجه يفتح شرفاته لسؤالي هذا الصباح ، ولا فجر يرفع رؤيتي في الخلاء بلا عمد . أنخت فكرتي على باب الهجير، وناديت في الرحب ، فلا مجيب إلا صدى الريح يقهقه من أعلى الصخور عابثا بشعر الحورية في كلّ اتجاه ، والحورية في أعلى الصخر تقهقه ببرود قاتل . نزلت من على صهوة حيرتي ، عقلت سؤالي عند السفح ، وسرت تحت ضوء القمر الجريح في مناكب أرض أجهل تفاصيلها وشعابها ، دفعت بكلماتي نحوها ، والناي بيميني يكفكف ألحانه حياء ، ومدادي في جداول القلب يقلّب الواقفة فوق قمّة الصخرة في صلف . الدرب إليها ضبابيّ الملامح ، مزدحم ببحيرات غطّتها جماجم الأوّلين وقليل من الآخرين ، والقمر الثخين في علييّن ينام بين أحضان الصباح . تقدمت نحوها بخطوات ملتهبة ، فوقف دوني الليل على شاطئ شفتيها، وعقر آخر نقطة ضوء تلوح كنافذة نحيلة من وراء الغيوم . وقفت بملامح باهتة بين يدي همس الجبل، ألقيت بشوقي ، وبينما أنا على الحالة تلك إذ بالحورية تطلق في أرض السكون ضحكة غجرية التدفّق، وثمار صدرها تتدلّى كعناقيد شهوة خرافية .

اتخذت لنفسي مكانا قصيّا أتابع منه حركتها على الصخر من وراء بلّور الروح المتعبة. والرذاذ يدندن على وجه الصخر موسيقى حزينة ، وينقر من حين إلى آخر وجه الأرض الممتدّة ، وبينما أنا أتابع اضطرابها من وراء الضباب على جمر اللقاء، كان في السماء ضوء خافت يبثّ فيّ نواميس الرحلة وأسبابها ، وموسيقى هادئة منحدرة من مرتفعات الجمال تدفعني نحوها . أشعلت لفافتي ، وانطلق الدخان من بين أصابعي كراقصة بالي يقتفي آثار الضوء ، شدّتني إليها الرقصة والموسيقى المتلبّسة برداء شفيف من الهمس ملكت حواسّي كلّها ، فنسيت الحورية والجبل ، وسرت بعيون حالمة وراء الراقصة المنبعثة من سيجارتي . بعث المشهد في نفسي شهوة الحياة ، وسرعان ما عاودني الحنين إلى الصخرة وصقيلة المفاتن . وقفت تحت قدميّ الصخرة ، ومطيّتي شوقي المتدفّق نحوها . طرقت بلطف المتيّم باب حلمها ، فجاءني صوت رقراق من وراء حجاب ، أسرجت ابتسامتي ، ورتّبت تفاصيل لساني ، وامتدّت يميني نحوها بباقة من طيب الكلم . اكتفت بابتسامة وجّهتها نحو حيرتي ، وتاهت في الغياب . ترنّحت حروفي في زحمة الأشواق ، ونفخ فيّ كبرياؤها على عتبات الحلم بذور حياة بعد موت ، دفعت مطيتي في وعر الدروب نحو قمّة الصخرة لعلّني أدركها في منعطف من منعطفات الفؤاد ، فسخرت الحجارة من خطاي ، وضحكت بحيرات الجماجم المتناثرة هنا وهناك من لهفتي . أطلقت العنان لرجليّ ، فدحرجني تعبي نحو سحيق العودة ، وشددت الرحال مرة أخرى إلى مرتفعات الروح . تعثّرت مطيّتي والأمنيات ، بعثت بعينين حذرتين لأتهجّى في ليل الطرق خرائطها . ركبت خوفي وذعري وأملي ومحنتي ، وصعّدت نحو مقصدي ، أمدّ يميني من حين إلى آخر أضمّد عرقي ، ونحيب الريح على باب الصخرة يداعب سخرية الحورية من أعلى المكان . استرقت السمع ، وصهيل الليل يملأ القلب ذعرا ، وخرير الرؤى المنهكة يصمّ آذان الجبال ، ركبت العزم ، وأطلقت العنان لبصري ، إنها هناك عند باب الغار تلملم جثث أحلامها ، ووقع أقدامها على أديم عبرتي يحثّني ويضرم فيّ نار الشوق والعناق . وقفت على صفحة الماء في الطريق إليها ، بحثت في رفوف ذاكرتي عنّي وعنها ، وقفت مستقيم الرؤى لعلّني أدرك أنّني في حضرة الصباح ، التحفت الرهبة ، والصخرة في خشوع الأفق متسمّرة لا تريم . سرت ، ولمّا بلغت مجلسها استقبلتني استقبال العشّاق . تقدّمت ، ومدّت نحوي يمينها ، وأجلستني فوق الصخرة على حافة الغد ، والسؤال يحلّق فوق رأسينا ، والكلام قارب في عرض الدهشة يتابع بصمت أهازيج النجوى. لملمنا الصباح ، وبعض كلمات ، وحفنة من الرؤى ، وسرّحنا قوافلنا في الأنين الفسيح بحثا عن صوتنا لعلّنا ندركه بين أشجار الهمس معا ، أو في الكهوف الجالسة القرفصاء على باب الحلم، وكان نسيم الصباح يداعب خصلات الأفق برفق من حولنا ، وكنّا على الصخرة طفلين نلاحق بعين حالمة خيوط الشمس . عانقت حروفي المنتشرة في حقول المعنى ، وتوقّفت عند كثبان الماء الغائب , فخرجت عليّ الرؤى من خدر العشق بعودها الصقيل . ومن وراء كثبان الذاكرة كنت مع حوريتي الجالسة بالقرب منّي جلوس الحبيب لحبيبه نتابع عصفورا تحت خيوط المطر يسير في الطريق بلا أجنحة ، يتهجّى بياض الأرض، يحبّر بخطاه سيرة التيه ، وينقر من حين إلى حين حبّات حلم ، والأرض من تحتنا تهدهد جثث الأطفال المرسومة على جبينه . ريح شرقية الهوى تعانق مجلسنا… تدير كؤوس المطر على الصخر المحيط بنا حينها تدفّقت ذكرياتي من شاهق الشجن ، والوجود بسمائه الكئيبة من فوق رؤوسنا يعزف لحنا حزينا يرسل من حين إلى آخر بحمامات فوق سفننا المسافرة في أمنياتنا . أينعت أناملي داخل سجيتي تعزف أغنية صباحية . توجهت نحو الجالسة بجانبي قائلا :

هكذا تغتالنا أمانينا …

تلقي بنا دمعة على قارعة الحريق …

ننهض من مرقدنا …

من زمن السكون …

نحلّق من جديد …

فتلاحقنا أوهامنا كريح عاتية …

وتعبث بنا وبرؤانا مخالب الغياب …

فتذرف مراكبنا الوقت ..

.ونصعّد رغم المحن في جبال الشجن لعلّنا نعانق ذات فجر فجرا وليدا ، أو عصفورا يغنّي لجناحين منطلقين …

تطلّعت نحو وجهها ، ثمّ ركبننا معا فلك الحلم لنسافر بعيدا في الأمنيات ، وأطلقنا أنامل العصفور في تفاصيل الصباحات ترسم على بلّور الوجود لوحتها بألوان زاهية…

 

 

 

 

اللوحة الثانية :

 

 

 

انحدرنا من الجبل ، يدحرجها أملها ، ويدفعني نحو الهاوية فضولي ، كانت تجري كما الريح ، ومن ورائها قهقهاتها تذكي فيّ نار السؤال ، فجأة توقّفت عند جبّانة تخيّرت لها من الأماكن سفح الجبل ، طافت بين القبور ، تصفّحت الوجوه ، وكأنّها تبحث عن شيء مّا ، وأنا التّائه في ساحاتها أراقبها ، أتهجّى ملامح مشيتها المتقلّبة ، ناديتها فلم تجبني ، فلذت بصمتي . تسمٍّرت في مكانها تتصفّح القبور بعينين نهمتين ، ثمّ أطلقت في الرحب صيحة تردّد صداها بين الجبال . حلّق غراب في السماء . خلعت ملابسها عند باب قبر ، وأطلقت العنان لحنجرتها ترتّل نحيبا مفزعا ترتيلا ، والصخر من حولها كأنّ على رؤوسه الطير ، نفشت شعرها ، استقبلت بيديها أبواب السّماء ، حلّ ببدنها شيطان الرّقص ، تدفّق من بين شفتيها عويل بعث في كامل أقطار جسمي مشاعر متوحّشة شتّى ، حدّثت نفسي في نفسي بالفرار من هول ما رأيت :

قبور …

شياطين …

رقص مجنون …

صياح شوكي…

عواء صخور …

نحيب رياح …

لكن الخوف شدّني لجذع ذعري . تقيّأت الجبّانة سكّانها لحظتها ، وانتشرت الجماجم والعظام في الفضاء ، تحلّق الموتى ، وراحوا جميعا يراقصون العويل حولها ، ارتفع نشيج الأرض تحت أقدامهم ، وامتدّت ألسنة الغبار تخدش وجه الفجر، انتشر الرقص في كلّ اتجاه كما الأفعى يلتهم كل ما يعترض طريقه ، تسلّق ضجيجهم أعمدة السّماء ، وغطّى بجناحيه أديم الأرض ، تململت وراء دهشتي تعبا ، ولم تتعب الراقصة ومريدوها ، فجأة هدأ الرقص ، وخفت صوت الضجيج ، ونضب الصياح ، هدأ صوت الغبار ، ووقفت الراقصة في التيه كريشة في المدى ، أو كطين تحت شمس الظنون ، مبلّل وجهها بحلم أسود الخطوات ، تطلّعت نحو القبور ، ومريدوها من ورائها يفتّشون بعيون فارغة في التراب والطين ، لا شيء في القبور غير الفراغ يعبث بذرّات الأجداث ، أعادت البحث في الحفر كرّة أخرى ، حفرة … حفرة … فرسم وجهها اليباب على صفحة الهباء ، أنكرها وجهها ، وأنكرته ، وكتبت بدمعة الخسران على جدار روحها سيرة الغياب ، والمريدون من حولها حمامة مجروحة الأوتاد . لا شمس تكفكف خوفهم هذا الصباح … لا شمس تنتصر لضجيج رقصهم المسفوك … أشبعث الحورية القبور ركلا وشتما ولطما . تركتهم وغادرت المكان ، وأنا أتبعها بحذر . انتشرت سحب الموت… دقّ قحط الرؤى في الأحلام أوتاده … غادر الغبار عشّه وطار… تدثّر الصخر بليل الغزاة ، وعقر الموتى ضجيجهم ، ونزلوا إلى برك الدمّ ليتطهّروا من أدران الضوء . وقفت على ضفّة الحيرة القاتلة أتابعهم . صفّفت أفكاري المبعثرة على عجل ، خلعت نعلي بباب السؤال ، ومن ورائي يحثّ فضولي تفّاح المعنى ، فارتفع صمتي في قيعان العيّ ، وارتدّ الصدى بين جنبيّ شوكا ، وأينع الخذلان في دربي . غادرت الحورية الجبانة ، وغادرت من ورائها .

 

 

 

 

اللوحة الثالثة :

 

الزمن فجر كاذب… لا نوارس تحلّق في سماء القصيدة هذا الصباح … كل النوافذ غادرت مواقعها … الضوء مسفوك الأمنيات على الصخر … الشاطئ مقفر… تحاول السّماء تمزيق فستانها الأسود… الرمال تغطّ على باب البحر في صمت كما النحيب… نهضت الحورية من غفوتها ، جرّت وراءها بعض بأس ، غادرت الجبّانة ، وتوجّهت متثاقلة نحو شاطئ البحر مطرقة كمن يدفع به أمل جريح نحو المرافئ . بوصلتها التيه ، ودربها الضباب . زورق يتيم متآكل خشبه جالس في وحدته يحادث الموج ويحادثه ، ومن حين إلى حين يلثم الماء وجنتيه المتورّمتين . وقفت بين يدي الأفق مرتّلة بأعلى صمتها آيات السقوط ، ورسمت بعبراتها على جبين البحر شمسا نحيلة وعصفورا. صفّفت أحلامها المبعثرة بعناية أنثى متبرّجة ، وتعطّرت بأريج اللغات ، خلعت نعليها بباب السؤال ، ومن ورائها يحثّ النسيم تفّاح المعنى في قوافلها ، أخذتها سنة قدسيّة الهوى ، فبعثت بصيحة في الرّحب رسولا . ارتفع صمتها في قيعان العيّ ، وارتدّ الصدى فراغا . خرج الموتى من كثبان الحروف ، ونسلت من بين شقوق الرؤيا الجماجم تسعى ، جاءتها من كلّ فجّ عميق صفّا صفّا . امتدّت في الأفق ابتسامة رضيع متيّم بالزوارق تراقب الجمع المبثوث على رمل الشاطئ ، خرج عصفور من بين أصابع الأحلام المحمومة وحلّق في الفضاء . تقدّمت نحو الزورق ومن بعدها مريدوها الموتى ، أضرمت نار الغناء والرقص حولهم ، وكنت أنا المتيّم باقتفاء آثارها مبعثر الأفكار ، لذت بهضبة من الحذر المتيبّس لأتتبّع المشهد ، دون أن يتفطّن لوجودي أحد ، فالجميع سابح في ملكوت الغناء المجنون حول الزورق الغارق في حيائه ، والمنشد من عمق الحلقة يغنّي بصوته الشفيف :

أقتلوني يا ثِقاتي إنّ في قتلي حياتي أنا عندي مَحْوُ ذاتي من أجلّ المكرماتِ سَئمتْ روحي حياتي في الرسوم البالياتِ فاقتلوني و احرقوني بعظامي الفانياتِ ثَم مرّوا برفاتي في القبور الدارساتِ تجدوا سرّ حبيبي في طوايا الباقياتِ (*) استأسد المنشد في إنشاده ، واغرورقت العيون بالدمع والأمنيات ، واشتعلت السوق رقصا ، والرؤوس كأمواج البحر في ليل مطير تحاول تسلّق ألسنة الأصوات المتطاولة في البنيان . كانت الجماجم حول الحورية والمنشد كما الدوائر المتناسلة على وجه الماء الراكد بعدما أيقظت سباته حصى البحث ، أو كما الجداول تطعم النهر ، والنهر في مجراه يتثنّى كأفعى تبحث عن فريستها ، يسبقها سؤالها إلى المكان . والزورق تحت أقدامهم وبينهم وقد أنذر للكلام صوما ، يراقب بعينين باردتين نار الصخب من حوله مثله كمثل عقلي المسجور الجالس على شوك حيرته مذ عانقت عيناي الحورية في قمّة الصخرة . فجأة هدأت الحركة ، وسكتت الحناجر ، وطلّقت الضوضاء المقدّسة مباهج الغياب . انسحب الموتى كيومهم المنصرم يجرّون وراءهم حطب الهزيمة ، وفتحت القبور أفواها شرهة ، واحتضنت سكّانها ونامت . لملمت الحورية جراحها ، وجلست على هضبة توتّرها تراقب جفاف المكان بعدما غادره الصّخب ، وقد لفّها القلق ، وجالستها الحيرة . كفكفت ضعفها ، وراحت تبحث بين منعطفات الوجود عن حلمها . أطلقت العنان ليديها وعينيها وعقيرتها كمن نهض لتوّه من غفوته . فتّشت في أركان البحر ركنا ركنا ، وقّلبت الفضاء قرب المركب باحثة عن غنيمتها ، سألت الأفق ، وكذا الرّمل ، وزبد البحر ، سألت دمعتها ، لا جواب يطفئ لهيب البحث ، فتّشت بين الصخور ، بين ثنايا الموج الهادر ، في شعاب الملح ، في حمرة الأفق المتثائب ، في رحم الوجود . توقّفت على حافة الشاطئ تستردّ أنفاسها ، ثم امتدّت يدها نحو وجهها تمزّقه ، ألقت بأشلائه على صفحة الماء ، لبست وجها آخر ، امتطت صوتا جديدا ، صاحت في الرحب مرّة أخرى ، لكن دون جدوى ، فكلّ وجه ترتديه عقيم وقد بلغ من الإعياء عتيّا ، هكذا استغرقت حركة تمزيق وجه وارتداء آخر زمنا غير قصير ، وأنا وراء هضبة الحيرة أتتبّعها بذهول ، أحاول فكّ الأحجية التي بعثت في مشاعري الراكدة هول الضباب المحيط بسماء ملبّدة .

(*) حياة في الموت /الحسين بن منصور الحلاج

 

 

 

اللوحة الرابعة :

 

خفت صوت العربدة والشمس في كبد القصيدة ، نهضت الأرض متثاقلة تلملم جماجمها وترتق قبورها ، نفضت الحورية غبار سكرتها ، وعادت الحبّانة الى ما كانت عليه ، تمدّدت وراء الربوة، ووجّهت وجهي شطرها ، كانت جالسة القرفصاء تبكي سعيها ، تقدّمت نحوها ، حدجتني بنظرة منكسرة ، ورسمت على ثغرها ابتسامة جرداء قائلة : هذا الخلاء هباء ، وهذه الصخور في ساحات الزور شهداء ، وهذه الجبّانة منذورة للغياب ، وأنا كما أنا على الطريق أفتّش في أركان الكون عنّي لعلّني أظفر بي نخلة ، أو ماء ، أو نارا تخرج من بطون القبور ، سأسعى حتّى أبعث فيهم العصفور قولا سويّا . طوّقت بذراعيّ أحلامها ، ولثمت على خجلي أمنياتها ، فتفتّحت بين يدي كزهرة الصباح ، حملتها على مغادرة المكان ، وسرنا والصخر ننشد أرضا غير الأرض ، ومكانا غير المكان .. لا ليل فيه ، سرنا مطرقين والجبال من شرفة الزيف تحرسنا ، وتبارك رحيلنا ، والقبور من وراء ستائر الموت تحثّنا في خلاء النجوى بصوتها المسفوك ، مشينا زمنا لم نقدّره ، حتى نال منّا الإعياء ، وعند مجرى دمعة توقفنا وحططنا الرحال ، جلسنا على حافة اليتم والسماء من فوقنا في طريقها إلى مساحات السواد ، تركت رفيقتي لصمتها، ورحت أبحث عن حطب يذهب وحشتنا ، سرت والفراغ ، أخبط في أرض التوتّر خبط عشواء بحثا عن حطب يذهب وحشتنا في هذا الخلاء الممتدّ ، وبينما أنا كذلك إذ بواحة جرداء نخلها متلبّس بأجداثه تطلّ برأسها ، تقدّمت نحوها لعلّني أظفر بمأربي ، ولكن شيئا من الأنين المكبوت المنبعث من وراء الصخور شدّني إلى دهشتي ومكاني . شهيق متوحّش ، صداه يتردّد بين يدي الليل المحيط بالمكان وبي . وقفت في أرض مرتفعة تطلّّ على منبع الصوت ، لا بوصلة لي في زحمة الهواجس إلاّ ظنوني . صوت أنثوي مبحوح تداعب نسماته جفاف المكان الموغل في سكونه ، استنفرت حواسّي جميعها ، بعثت بأذنيّ هدهدا يتبيّن الأمر . أغصان الصوت ممتدّة كالنسيم في الفضاء ، وعنكبوت فضولي نسج حول صدى الصوت أساطير قديمة ، انحدرت مخيّلتي نحو قيعان اللذّة ، صوت أنثى يترنّح في الرّحب كما الثعبان ، وقد تعتعته المتعة ، فوجدتني في مكاني كسكارى الفجر أراوح مكاني بين الخوف والرجاء ، تطلّعت من وراء الكثبان بحذر.، هيكلان عظميّان متعانقان تحت شجرة البوح تحرسهما شمعة كسيحة الضوء ، تنبعث منها رائحة الموت العتيق ، يتهامسان ، يداعبان ضحكة متغنّجة ، حديثهما كدبيب النمل ، أو قاب قوسين أو أدنى من النجوى كلامهما ، وعظامهما في زورق المضاجعة كأمواج البحر في يوم مطير ، شدّني تمايل الجمجمتين تحت ضوء الشمعة الجريح ، يراقصان موسيقى الفناء ، ويعزفان لحن عشق سرمديّ على حافة متعة مهرّبة . بقيت على لوح الرحلة زمنا لم أقدّره أتابع رقصة العظام النخرة تحت جدار التقيّة ، ومن حين إلى آخر يبعث فيّ هديل التأوّه أسباب الحياة …. تملّكني شيء من الفضول الزئبقيّ ، فتمسّكت بقارب شجاعتي ضعيف الحيلة لأتابع بقيةّ مراسم الفرح في محراب الموتى الأحياء . نسيت صاحبتي المنذورة للوحدة والانتظار هناك ، وراء ظهري في ساحة الهزيمة ، تلك الجالسة منتظرة حطبي وناري في عراء الأمنيات ترسم بريشة يتيمة في خيالها المحموم عصفورها المنتظر . بقيت أتابع المشهد وكأنّ الجمر تحتي وفجأة تنحّى الهيكل العظمي الراكب متعبا وألقى بعظامه قرب الهيكل المركوب يسترجع أنفاسه ، وحملتني مخيّلتي في غفلة منّي إلى أرض أجهل شعابها ومفاصلها وأهلها : وقف الفجر على حافة الحلم مؤذّنا في الناس ، وفتح بصوته الزلال باب الصهيل على ساحات الرحيل نحو واحات من بياض ، ونسلت القوافل من بين أصابع المداد محمّلة بصباحات مكلومة ، وأفئدة مشتعلة شوقا للمرافئ القابعة في الأرحام . تدافع الناس نحو فلك الحياة ، وألسنتهم ترمّم بالذكر في بساتين النجوى طيورا ونخيلا وماء ، وعلى جبين الأفق البعيد ترفرف الزغاريد ، وضجيج الأطفال من حول صبايا الرحيل يدندن على أوتار السير موسيقى التحليق في غفلة من خرير الشجون ، وصوت المؤذّن من حين إلى آخر يدفع بلوح الهجرات دفعا جميلا ، أطلّت شمس ذاك الصباح من وراء ستائر الضباب الشوكيّ تراقب أعراس الموجّهين وجوههم نحو الأرض المنذورة للولادة ، هكذا حدّثتهم صحف الأوّلين ، ووعدهم كهّان المعابد ، هكذا حدّثهم العصفور التائه في الأمنيات

 

 

  • يتبع-

Be the first to comment

اترك رد